هو بِشْر بن عوانة العبدي، من الشعراء الصعاليك، وهؤلاء اكتسبوا تلك التسمية "الصعلكة" كونهم يعيشون في معزل عن الناس ،لأنهم مُطارَدون بسبب قيامهم بالسطو على أملاك الأثرياء على الرغم أنهم يمنحون تلك الأموال للفقراء ، ومن الغريب أنهم يجمعون بين الشجاعة والكرم وسرقة الأثرياء!، ومنهم شاعرنا بشر بن عوانة وكان شجاعًا وقد ألّف قصيدة تُعدّ من روائع الشعر العربي مضمونًا وصياغةً ولغة، وفيها يصف صراعه مع أحد الأسود الذي صادفه في الطريق ..
في سُطور هذه الحكاية يلتقي الشعر بالبطولة، وتلتف الأفاعي حول الكبرياء، وتُغمس القصائد في دماء الأسود، إنهاقصة بشر بن عوانة العبدي، التي خلدها بديع الزمان الهمذاني في واحدة من أروع مقاماته، وسماها: المقامةالبشرية.
الحكاية تبدأ من قلب العشيرة..
بشر أراد أن يخطب ابنة عمه فاطمة، وكان قلبه لها مُتيمًا، لكن عمّه لم يكن سهل المراس، فوضع شرطًا تعجيزيًا: أنيدفع بشر مهرًا ألف ناقة من نوق خزاعة.
لكن لم يكن الشرط إلا فخًا!
فالطريق إلى خزاعة مليء بالهلاك، فيه أسد ضارٍ يُسمى داذ، وأفعى قاتلة تُدعى شجاع، وهما اللذان قيل فيهما:
> "أفتكُ من داذٍ ومن شجاعٍ
إن يك داذٌ سيدَ السباعِ فإنها سيدةُ الأفاعي"
رغم ذلك، مضى بشر متحديًا مصيره، فاعترضه الأسد في وادٍ يُعرف بـ "بطن خبت"، وهناك، اشتعلت المواجهة.
من رحم الخطر... وُلد الشعر
قاتل بشر الأسد حتى قتله، ثم كتب بدمه قصيدةً لفاطمة، مطلعها:
> "أفاطم لو شهدتِ ببطن خبتٍ
وقد لاقى الهزبرُ أخاكِ بشرًا"
شرح البيت:
ينادي بشر ابنة عمه، قائلاً: لو كنتِ شاهدةً تلك المعركة التي دارت في "بطن خبت"، لرأيتِ أخاكِ (يقصد نفسه)يقاتل أسداً ضارياً.
وتتوالى الأبيات التي تصور المعركة كما لو أنها مشهد من ملاحم العرب:
> "إذاً لرأيتِ ليثاً زار ليثاً
هزبرًا أغلَبًا لاقى هزبرًا"
المعنى: ليت يُرى الأسدُ يلاقي أسدًا، فبشر لم يكن أقل شجاعة أو بأساً من وحش البرية.
ثم يقول:
> "فلا تجزع، فقد لاقيتُ حرًا
يُحاذرُ أن يُعاب، فمتَّ حرًا"
المعنى: يقول للأسد: إنني رجلٌ حر، لا يرضى بالفرار، وإن قُدّر لي الموت، فسأموت موت الأبطال!
لكن القصة لم تنتهِ...
بلغت القصيدة عمّه، فندم على مكره، وخرج في أثر بشر ليزفه إلى فاطمة، لكنه وجده في مواجهة أخرى... مع حيةشجاع!
وما إن رأى العم ابن أخيه يواجه الأفعى، حتى ثارت فيه نخوة الجاهلية، فغرس يده في فم الأفعى وقتلها بسيفه.
ثم ندم وقال: "لقد عرضتك للهلاك طمعًا، لكن الله نجّاك... ارجع فأنا أزوجك فاطمة!"
مفاجأة القدر...
في طريق عودته، اعترضه غلام شجاع، قوي، لا يُقهَر. تقاتل الاثنان، وبشر منهك... ثم نزلت المفاجأة!
قال الغلام: "أنا ابنك يا بشر!"
فقال بشر متعجبًا: "ما قارنتُ امرأةً من قبل! من أين أتيت؟"
فأجابه: "أنا ابن المرأة التي دلتك على طريق راتب بنت عمك..."، فقال بشر قولته الخالدة:
> "تلك العصا من هذه العصية،
هل تلد الحيّة إلا الحيّة؟"
ختام القصة:
قصة شعرية عظيمة تُجسد معاني الشجاعة، والمروءة، والغدر، والحب، وفي طياتها من الحكمة ما يكفي لألف مقام.
أَفاطِمَ لو شَهِدتِ ببطن خَبتٍ
وقد لاقى الهِزَبرُ أخاكِ بِشْرا
إذن لرأيتِ ليثاً رامَ ليثاً
هِزَبراً أَغلباً يبغي هِزَبرا
تَبَهنَسَ إِذ تقاعسَ عنه مُهري
مُحاذَرَةً فقلتُ عُقِرتَ مُهرا
أَنِل قَدَميَّ ظهرَ الأَرض إِنِّي
وجدتُ الأَرضَ أَثبَتَ منكَ ظَهرا
وقلتُ له وقد أبدى نِصالاً
مُحدَّدةً ووجهاً مُكفَهِرّا
يُدِلُّ بِمِخلَبٍ وبحدِّ نابٍ
وباللَّحَظاتِ تَحسَبُهُنَّ جَمرا
وفي يُمنايَ ماضي الحدِّ أَبقى
بمضربه قِراعُ الخَطبِ إِثرا
أَلَم يَبلُغكَ ما فعلت ظُباهُ
بكاظمةٍ غداةَ لَقِيتُ عَمرا
وقلبي مثلُ قلبكَ لستُ أَخشى
مُصاولةً ولستُ أَخاف ذُعرا
وأَنتَ ترومُ للأشبالِ قُوتاً
ومُطَّلَبي لبنتِ العمِّ مَهرا
ففيمَ تَرومُ مثلي أَن يُوَلّي
ويتركَ في يديكَ النفسَ قَسرا
نَصَحتُكَ فالتمس يا ليثُ غيري
طعاماً إِنَّ لحمي كان مُرّا
فلمّا ظنَّ أَنّ الغشَّ نُصحي
وخالَفَني كأنّي قلتُ هُجرا
مشى ومَشَيتُ من أَسَدَينِ راما
مَرَاماً كان إذ طَلَبَاهُ وَعرا
يُكفكِفُ غِيلةً إحدى يديه
ويبسُط للوثوبِ عَلَيَّ أُخرى
هَززتُ له الحُسامَ فَخِلتُ أَنّي
شققتُ به لدى الظلماء فَجرا
وَجُدتُ له بطائشةٍ رآها
لمن كَذَبَتهُ ما مَنَّتهُ غَدرا
بضربةِ فَيصَلٍ تركتهُ شَفعًا
وكان كأنَّهُ الجُلمودُ وِترا
فَخَرَّ مُضَرَّجاً بدمٍ كأنّي
هَدَمتُ به بِناءً مُشمَخِرّا
وقلتُ له يَعِزُّ عليَّ أَنّي
قتلتُ مُناسِبي جَلَداً وَقَهرا
ولكن رُمتَ شيئاً لم يَرُمهُ
سِواكَ فلم أُطِق يا ليثُ صبرا
تُحاولُ أَن تُعَلِّمني فِرارًا
لَعَمرُ أبي لقد حاولتَ نُكرا
فلا تَبعد لقد لاقيتَ حُرّاً
يُحاذِرُ أن يُعابَ فَمُتَّ حُرّا



ملاحم الابطال بين الواقع والخيال في تاريخ العرب كجلجامش وبشر بن عوادة أعلى وأعتى بمراحل من الروايات المتصدرة بعصرنا لا أجزم في مقارنتها بالجليد والنار وإنما أرى بينهما منافسة حقيقية تلامس كل الجوانب المتميزة من فانتازيا ورومانسية وصولا إلى أسلوب الطرح .. لا أؤمن بفكرة المنتصر يكتب التاريخ فكل الأطراف تروي منظورها للحدث وإنما أؤمن بشدة بالعقلية الانهزامية فنحن نرى وبوضوح كيف أصبحت نظرتنا لمنتجاتنا قديمها وحديثها أدنى من نظرتنا لمنتجات المحتل مهما بلغت من سوء جودة ، حزن مغلي والله المستعان